السيد علي عاشور

126

موسوعة أهل البيت ( ع )

هنالك خفّ عن عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، فارتفعت الرنة بالعويل ، وأيسوا من برء العليل ، فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومدّوا عند خروج نفسه رجليه . فكم موجع يبكي عليه ومفجع * ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له اللّه مخلصا * يعدد منه خير ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته * وعما قليل كالذي صار صائر فشق جيوبها نساؤه ، ولطم خدودها إماؤه ، وأعول لفقده جيرانه ، وتوجع لرزئه إخوانه ، ثم أقبلوا على جهازه ، وشمّروا لإبرازه . وظل أحب القوم كان لقربه * يحثّ على تجهيزه ويبادر وشمّر من قد أحضروه لغسله * ووجّه لما قام للقبر حافر وكفّن في ثوبين واجتمعت له * مشيّعة إخوانه والعشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده ، وقد غلب الحزن على فؤاده ، وغشي من الجزع عليه ، وخضبت الدموع خديه ، وهو يندب أباه ويقول : يا ويلاه . لعاينت من قبح المنية منظرا * يهال لمرآة ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر ورنّة نسوان عليه جوازع * مدامعهم فوق الخدود غوازر ثم أخرج من سعة قصره إلى ضيق قبره ، فلما استقر في اللحد وهي « 1 » عليه اللبن ، وقد حثوا بأيديهم التراب ، وأكثروا التلدد « 2 » عليه والإنتحاب ، ووقفوا ساعة عليه ، وآيسوا من النظر إليه . فولوا عليه معولين وكلهم * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع آمنات بدا لها * بمذننة بادي الذراعين حاسر فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت * فلما نأى عنها الذي هو جازر عادت إلى مرعاها ، ونسيت ما في أختها دهاها ، أفبأفعال البهائم اقتدينا ، أم على عادتها جرينا ؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى والثرى ، المدفوع إلى هول ما ترى . ثوى مفردا في لحده وتوزعت * مواريثه أرحامه والأواصر وأخنوا على أمواله يقسمونها * بلا حامد منهم عليها وشاكر

--> ( 1 ) الوهي : الشق في الشيء ، وهي : تخرق وانشقّ واسترخى رباطه ( القاموس ) . ( 2 ) التلدد : تلدد تلفت يمينا وشمالا ، وتحيّر متبلدا ، وتلبث ( القاموس ) .